شرح التباين في النمو الاقتصادي بين "مراكز التصنيع الآسيوية"

نشر يوم : Sun, 21 Nov 2021

إن الاقتصاد العالمي يتعافى بقوة من جائحة كوفيد-19. ولم يكن هذا التعافي الاقتصادي السريع ممكناً بدون تطوير علاجات ولقاحات فعالة ضد الفيروس. وكان المحرك الرئيسي للتعافي هو التحفيز المالي والنقدي غير المسبوق، لا سيما في الولايات المتحدة والصين، الذي أدى إلى زيادة طلب المستهلكين على السلع المصنعة، الأمر الذي أفاد "مراكز التصنيع الآسيوية".

إن مصطلح "مراكز التصنيع الآسيوية" أو "Factory Asia" يشير إلى حقيقة أن غالبية السلع الاستهلاكية المنتجة في العالم مصنوعة في قارة آسيا. ولا يقتصر الأمر على الصين، لأن بعض المكونات المتطورة والأجزاء التكنولوجية مصنوعة في بلدان مثل اليابان وكوريا وتايوان. ويتم تجميع هذه المكونات في البلدان التي تتميز بانخفاض تكلفة اليد العاملة. تاريخياً، كان للصين حصة الأسد في التجميع، ولكن في الآونة الأخيرة انتشرت سلاسل التوريد إلى بلدان أخرى أقل تقدماً.

هناك تباين واضح بين سرعة وقوة التعافي الاقتصادي في بلدان مختلفة ضمن "مراكز التصنيع الآسيوية". ويمكننا قياس ذلك من خلال مقارنة توقعات نمو الناتج المحلي الإجمالي في عام 2022 الصادرة عن صندوق النقد الدولي في تقريره الأخير بشأن آفاق الاقتصاد العالمي مع النمو المتوقع قبل الجائحة في أكتوبر 2019 (الرسم البياني 1). وهنا نلاحظ أن البلدان المتقدمة تتعافى من الجائحة بقوة أكبر من البلدان النامية. وتهدف هذه المقالة إلى شرح هذا التباين من خلال التركيز على ثلاثة عوامل رئيسية تتمثل في أهمية التصنيع، ومستويات التطعيم، وحيز السياسات النقدية والمالية.

 

أولاً، يمكننا أن نلاحظ أن قطاع التصنيع يشكل حصة أكبر في اقتصادات البلدان المتقدمة مقارنة بالبلدان النامية، إذ تبلغ حصته في المتوسط ​​25% من الناتج المحلي الإجمالي في البلدان النامية مقارنة بـ 15% فقط في البلدان النامية (الرسم البياني 2). ويعني كِبر قطاعات التصنيع أن بلدان "مراكز التصنيع الآسيوية" تستفيد جميعها من الطلب العالمي القوي على السلع الاستهلاكية. ومع ذلك، فإن الحصة الأكبر لقطاع التصنيع في البلدان المتقدمة تعني أنها تستفيد أكثر من غيرها. وهذا يفسر التوقعات بأن أداء اقتصاداتها سيكون أقل بقليل فقط مما كان عليه قبل الأزمة في عام 2022، أو حتى أعلى كما هو الحال مع تايوان.

ثانياً، ضرب متحور دلتا مراكز التصنيع الآسيوية بشدة خلال الربعين الثاني والثالث من هذا العام. ويرجع السبب الرئيسي في ذلك إلى كون متحور دلتا ينتقل أسرع بكثير من الفيروس الأصلي. لحسن الحظ، بعد بداية بطيئة، حققت الدول الآسيوية الآن تقدماً كبيراً في حملات التطعيم. ومع ذلك، على الرغم من هذا التقدم، لا يزال هناك تباين واضح بين البلدان، حيث تعطي الدول المتقدمة جرعات لقاح أكثر لكل مائة شخص مقارنة بالبلدان النامية (الرسم البياني 3). والسبب الرئيسي لذلك هو أن البلدان المتقدمة كان لديها وصول مبكر للقاحات وبنية تحتية أكثر تطوراً لنقلها وتخزينها وطرحها للتطعيم.

 

إن البداية البطيئة لحملات التطعيم ومستوى التطعيم الذي لا يزال منخفضاً في البلدان النامية يساعدان في تفسير سبب تعرض هذه البلدان بشدة لموجة المتحور دلتا وبالتالي تراجع قدرتها على الاستفادة من الطلب الاستثنائي القوي على السلع الاستهلاكية. نتوقع بعض التقدم في منح اللقاحات في العام المقبل، لكن ذلك سيكون متأخراً جداً بالنسبة للبلدان النامية للاستفادة بالكامل من الطفرة الاستهلاكية، والتي نتوقع أن تنخفض قليلاً في العام المقبل.

ثالثاً، هناك عامل مهم آخر يجب مراعاته وهو حيز السياسة المالية والنقدية. ويسمح التحفيز المالي والنقدي للبلدان بدعم الاستهلاك والاستثمار خلال فترات الاضطراب الاقتصادي مثل الجائحة. وعادةً ما يكون لدى البلدان المتقدمة مساحة أكبر للسياسات الاقتصادية من البلدان النامية، وهذا سبب آخر يجعل تعافيها من الجائحة أقوى. إن ارتفاع معدلات التضخم عالمياً وتشديد الأوضاع المالية العالمية يعني أن الفائدة من وجود حيز أكبر للسياسات الاقتصادية من المرجح أن تزداد بدلاً من أن تنخفض في العام المقبل. وهذا سيجعل من الصعب على البلدان النامية اللحاق بركب البلدان المتقدمة.

في الختام، فإن الحجم النسبي لقطاعات التصنيع وفعالية حملات التطعيم والحيز المتاح للسياسات الاقتصادية جميعها عوامل تساعد على تفسير الاختلاف في سرعة وقوة التعافي من الجائحة داخل مراكز التصنيع الآسيوية. ونظراً لأن العوامل الأساسية ثابتة نسبياً، فإننا نتوقع أن تظل البلدان المتقدمة قريبة من مستويات النمو التي كانت تحققها في فترة ما قبل الجائحة، بينما لا نتوقع أن تحقق البلدان النامية ذلك في العامين المقبلين.

يمكنك أيضاً تنزيل نسخة PDF من التقرير عربي و English