بنك إنجلترا سيتبنى موقفاً متساهلاً حيال السياسة النقدية على الرغم من تلميحاته بالتشديد

نشر يوم : Sun, 28 Nov 2021

يعتبر ارتفاع التضخم توجهاً عالمياً، فقد أدى ارتفاع الطلب والاضطرابات القوية في سلاسل الإمداد إلى ارتفاع الأسعار في العديد من البلدان بأكثر مما كان متوقعاً قبل بضعة أشهر. في الواقع، بلغ التضخم أعلى مستوياته منذ عدة عقود في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وألمانيا والاقتصادات المتقدمة الأخرى. ومع ذلك، تأثرت المملكة المتحدة باضطرابات سلاسل التوريد أكثر من أغلب البلدان الأخرى وذلك بسبب تداعيات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، الذي أدى إلى نقص حاد في العمالة، مثل سائقي الشاحنات.

ارتفعت أسعار المستهلك في المملكة المتحدة بنسبة 4.2% في أكتوبر مقارنة بما كانت عليه قبل عام. وهذا يعتبر أسرع نمو في التضخم منذ عقد من الزمن، وهو يشكل ضِعف ما توقعه بنك إنجلترا قبل ستة أشهر، ويتجاوز ضِعف معدل التضخم المستهدف الذي تبلغ نسبته 2%. وسيكون هذا الأمر مبعث قلق لأعضاء لجنة السياسة النقدية التابعة لبنك إنجلترا. ولذلك فإنه من غير المستغرب أن خطاب لجنة السياسة النقدية أصبح أكثر تشدداً مؤخراً.

ومع ذلك، نرى أن النبرة المتشددة من قبل لجنة السياسة النقدية هي تمهيد لإجراءات مخففة تتمثل في تنفيذ جولة واحدة من رفع أسعار الفائدة بمقدار 15 نقطة أساس في المستقبل القريب. ونتوقع أن يحدث ذلك في فبراير عندما ينشر بنك إنجلترا تقريره ربع السنوي القادم بشأن السياسة النقدية ويعقد مؤتمراً صحفياً لشرح هذه الخطوة. ونعتبر أن رفع أسعار الفائدة في ديسمبر غير مرجح، لأن بنك إنجلترا لم يسبق له  أن رفع أسعار الفائدة مباشرة قبيل أعياد الميلاد منذ أن أصبح مستقلاً عن السيطرة الكاملة للحكومة في عام 1997.

وهناك ثلاث نقاط رئيسية تدعم وجهة النظر هذه بشأن رفع أسعار الفائدة في المملكة المتحدة، فمن المتوقع أن يصل التضخم إلى ذروته في أبريل 2022، مدفوعاً بعوامل ذات تأثير مؤقت، قبل أن ينخفض ​​بشكل حاد في عام 2023، وبدأ بالفعل السحب التدريجي للتيسير الكمي اعتباراً من نهاية العام وبدأ أيضاً سحب الحوافز المالية.

أولاً، نتوقع أن يرتفع تضخم أسعار المستهلك وأن يصل إلى ذروته في مطلع عام 2022. ومن المقرر أن يؤدي التأثير المركب لإلغاء تخفيضات ضريبة القيمة المضافة في قطاع الضيافة والزيادات في أسعار الطاقة وارتفاع أسعار السلع العالمية إلى وصول تضخم أسعار المستهلك إلى نسبة قياسية تبلغ 5% في أبريل 2022. وهذه العوامل جميعها مؤقتة، لا يُتوقع أن تدفع التضخم في المستقبل، لذلك نتوقع أن يكون هذا الارتفاع غير دائم، حيث من المقرر أن يتراجع التضخم بشكل كبير بحلول بداية عام 2023. في الواقع، يتفق معظم المحللين المختصين مع وجهة نظرنا هذه، والتوقعات الأكثر شيوعاً هي أن متوسط ​​تضخم أسعار المستهلك سينخفض إلى أقل من 2% في عام 2023 من حوالي 4% في عام 2022 (الرسم البياني 1). وهذه الآراء المنتشرة على نطاق واسع مماثلة لوجهة نظر بنك إنجلترا وتم ذكرها في تقرير لجنة السياسة النقدية لشهر نوفمبر، حيث من المتوقع أن يظل التضخم أقل من 3% في حال عدم قيام لجنة السياسة النقدية برفع أسعار الفائدة على الإطلاق. وهي إشارة من لجنة السياسة النقدية إلى الأسواق بأنه ينبغي إجراء زيادات متواضعة فقط على أسعار فائدة، إن كان هناك ما يستدعي القيام بذلك في الأصل.

ثانياً، سيبدأ التقليص التدريجي لبرنامج التيسير الكمي الخاص ببنك إنجلترا، حيث من المقرر أن تتوقف عمليات شراء الأصول البالغ قيمتها 3.4 مليار جنيه إسترليني في الأسبوع بحلول نهاية العام. علاوة على ذلك، قدمت لجنة السياسة النقدية توجيهات مستقبلية بأنها تتوقع التوقف عن إعادة استثمار عائدات السندات المستحقة بمجرد وصول أسعار الفائدة إلى 50 نقطة أساس. ويعد تقليص التيسير الكمي والتوجيهات المستقبلية من الطرق التي بدأت من خلالها لجنة السياسة النقدية بالفعل في تشديد السياسة بشكل طفيف.

ثالثاً، بدأ سحب الحوافز المالية، مع الانتهاء الفعلي لمخطط منح العاملين إجازات والرفع المؤقت لبرنامج الائتمان الشامل في إطار الاستجابة لتداعيات الجائحة. ومع ذلك، قللت الميزانية الأخيرة من نطاق التشديد المالي المخطط له خلال العامين المقبلين. وعلى الرغم من ذلك، فإن تشديد السياسة المالية بشكل طفيف سيساعد في تقليل المساهمة الناتجة محلياً في التضخم.

وتدعم هذه النقاط الثلاث وجهة نظرنا بأن التضخم في المملكة المتحدة سيعود بشكل مريح إلى حدود 1% من هدف لجنة السياسة النقدية البالغ 2%.

وقد أثبتت لجنة السياسة النقدية مراراً وتكراراً أنها ستنظر في "التأثيرات الأولية" المؤقتة لصدمات الإمداد على التضخم، وستتدخل فقط عندما يكون هناك دليل واضح على وجود "جولة ثانية" من التأثيرات (مثل النمو المفرط في الأجور). وقد ساعد هذا النهج العملي في صنع السياسات في الحفاظ على مصداقية لجنة السياسة النقدية، ووفر في نفس الوقت أقصى قدر من المساحة المتاحة للسياسة النقدية للحفاظ على معدلات فائدة منخفضة ودعم النمو.

ولدى دول أخرى أهداف تضخم مختلفة قليلاً وتعتبر توقعاتها بشأن التضخم عرضة للمخاطر. لكننا نتصور وجود رؤية مشتركة بين البنوك المركزية الرئيسية، فجميعها تستفيد إلى أقصى حد من المصداقية التي حققتها على مدى ثلاثة عقود من الاستهداف الناجح للتضخم. وسيساعدها هذا الأمر على إبقاء أسعار الفائدة منخفضة لفترة أطول.

يمكنك أيضاً تنزيل نسخة PDF من التقرير عربي و English